أحمد بن محمد القسطلاني
174
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
دينار ) التميمي السعدي البصري ، الخياط ( قال : سمعت أنس بن مالك ) رضي الله عنه ، حال كونه ( يقول : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ) صلاها في أول وقتها على الأصل ، ( وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة ) قال الراوي : ( يعني الجمعة ) قياسًا على الظهر ، لا بالنص . لأن أكثر الأحاديث يدل على التفرقة في الظهر ، وعلى التبكير في الجمعة مطلقًا من غير تفصيل . والذي نحا إليه المؤلّف مشروعية الإبراد بالجمعة ، ولم يثبت الحكم بذلك ، لأن قوله : يعني الجمعة ، يحتمل أن يكون قول التابعي مما فهمه ، وأن يكون من نقله ، فرجح عنده إلحاقها بالظهر لأنها إما ظهر وزيادة ، أو بدل عن الظهر ، قاله ابن المنير . ورواة حديث الباب كلهم بصريون ، وفيه التحديث والسماع والقول . ( قال ) ولأبي ذر : وقال : ( يونس بن بكير ) بالتصغير فيما وصله المؤلّف في : الأدب المفرد ( أخبرنا أبو خلدة ، وقال ) بالواو ، ولكريمة : فقال : ( بالصلاة ) أي : بلفظها فقط ، ( ولم يذكر الجمعة ) . ولفظه في : الأدب المفرد : " كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بالصلاة " . وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر ، عن يونس ، وزاد : يعني الظهر . وهذا موافق لقول الفقهاء : يندب الإبراد بالظهر ، في شدّة الحر بقطر حار ، لا بالجمعة لشدة الخطر في فواتها المؤدي إليه تأخيرها بالتكاسل ، ولأن الناس مأمورون بالتبكير إليها ، فلا يتأذّون بالحر . وما في الصحيحين من : أنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كان يبرد بها ، بيان للجواز فيها جمعًا بين الأدلة . ( وقال بشر بن ثابت ) مما وصله الإسماعيلي والبيهقي : ( حدّثنا أبو خلدة ، قال : صلّى بنا أمير الجمعة ) هو : الحكم بن أبي عقيل الثقفي ، نائب ابن عمه الحجاج بن يوسف ، وكان على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة ، حتى يكاد الوقت أن يخرج ( ثم قال لأنس ، رضي الله عنه ، كيف كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلّي الظهر ) ؟ في رواية الإسماعيلي والبيهقي : كان إذا كان الشتاء بكَّر بالظهر ، وإن كان الصيف أبرد بها . 18 - باب الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَمَنْ قَالَ السَّعْيُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ . وَقَالَ عَطَاءٌ : تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ . ( باب المشي إلى ) صلاة ( الجمعة ، وقول الله جل ذكره ) بجر لام قول ، عطفًا على المشي المجرور بالإضافة ، وبالضم على الاستئناف ( { فاسعوا إلى ذكر الله } ) [ الجمعة : 9 ] أي : فامضوا ، لأن السعي على المضي وعلى العدو ، فبينت السنة المراد به ، كما في الحديث الآتي في هذا الباب : " فلا تأتوها تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة " . نعم ، إذا ضاق الوقت فالأولى الإسراع . وقال المحب الطبري : يجب إذا لم تدرك الجمعة إلا به . ( ومن قال ) في تفسيره ( السعي : العمل ) لها ( والذهاب ) إليها القوله تعالى ( { وسعى لها } ) أي للآخرة ( { سعيها } ) [ الإسراء : 19 ] المفسر : يعمل لها حقها من السعي ، وهو الإتيان بالأوامر ، والانتهاء عن النواهي . ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما ) مما وصله ابن حزم ، من طريق عكرمة عنه ، لكن بمعناه ( يحرم البيع ) أي : ونحوه من سائر العقود ، مما فيه تشاغل عن السعي إليها : كإجارة وتولية ، ولا تبطل الصلاة ( حينئذٍ ) . أي : إذا نودي بها بعد جلوس الخطيب على المنبر لآية { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [ الجمعة : 9 ] وقيس على البيع نحوه . وإنما لم تبطل الصلاة لأن النهي لا يختص به ، فلم يمنع صحته ، كالصلاة في أرض مغصوبة . ويصح البيع عند الجمهور ، لأن النهي ليس لمعنى في العقد داخل ولا لازم ، بل خارج عنه . وقال المالكية : يفسخ ما عدا : النكاح ، والهبة ، والصدقة ، وحيث فسخ تردّ السلعة إن كانت قائمة ، ويلزم قيمتها يوم القبض إن كانت فائتة . والفرق بين الهبة والصدقة ، وبين غيرهما ، أن غير الهبة والصدقة يردّ على كل واحد ما له ، فلا يلحقه كبير مضرة ، ولا كذلك الهبة والصدقة ، لأنه ملك الشيء بغير عوض فيبطل عليه ، فتلحقه المضرة . وأما عدم فسخ النكاح فللاحتياط في الفروج . اه - . وتقييد الأذان بكونه بعد جلوس الخطيب لأنه الذي كان في عهده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، فانصرف النداء في الآية إليه . أما الأذان الذي عند الزوال ، فيجوز البيع عنده مع الكراهة لدخول وقت الوجوب . لكن ، قال الأسنوي : ينبغي أن لا يكره في بلد